صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

342

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الفتح ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واقفا براحلته « بكراع الغمام » ، فأسرع الناس إليه ، فقرأ عليهم قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً « 1 » . فقال رجل : يا رسول اللّه أفتح هو ؟ قال : « نعم والّذي نفسي بيده إنّه لفتح » « 2 » ، وأورد البخاري برواية صحيحة « 3 » أن أصحابه قالوا : هنيئا مريئا فما لنا ؟ فأنزل اللّه تعالى : لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً « 4 » ، فانقلبت كآبة المسلمين وحزنهم إلى فرح وحبور ، وأدركوا أنهم لا يمكنهم أن يحيطوا بالأسباب والنتائج ، وأن الخير كله هو في التسليم لأمر اللّه ورسوله . ولقد أتاحت الهدنة المبرمة بين الطرفين للمسلمين فرصة التفرغ لتصفية آخر معاقل يهود في خيبر والتي كانت بؤرة تحريض ومكر ضد الدعوة الإسلامية ، كما أتاحت لهم فرصة التفرغ لنشر الإسلام في بطون القبائل ، وذلك ما عمل على التعجيل بنشر عقيدة التوحيد على نطاق واسع وهذا ما عناه الزهري في قوله عن صلح الحديبية : « فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ، إنما كان القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة ، ووضعت الحرب ، وأمن الناس بعضهم بعضا ، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلّم أحد بالإسلام بعقل إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك » « 5 » وقد ساق ابن هشام في السيرة الدليل على صحة قول الزهري ودقته فقال : « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف » « 6 » . فترة ما بين الحديبية وفتح مكة : ما إن عاد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون إلى المدينة ، حتى جاءه أبو بصير مسلما فارّا من قريش . وقد أرسلت قريش اثنين من رجالها مطالبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بتنفيذ بنود صلح الحديبية بشأنه ، فسلمه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليهما ، غير أن أبا بصير سرعان ما تمكن من قتل أحد الرجلين وهم في طريق العودة إلى مكة ، وفر ثانيهما إلى المدينة وخلفه أبو بصير ، فلما انتهى إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال أبو بصير : « قد واللّه أوفى اللّه ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم نجّاني اللّه منهم » . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويل أمّه ، مسعر حرب لو كان له أحد » ! . فلما سمع أبو بصير مقالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عرف أنه سيرده ثانية إلى

--> ( 1 ) القرآن الكريم - سورة الفتح ، الآية / 1 ، البخاري - الصحيح ( فتح الباري : حديث 4172 ) ، وفيه أوضح قتادة رواية عن أنس - رضي اللّه عنه - أن تفسيره الفتح بالحديبية مأخوذ عن أنس . ( 2 ) أبو داود - سنن ، كتاب الجهاد ( م 2736 ) ، أحمد - المسند 3 / 420 . ( 3 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري ، حديث 4172 ) . ( 4 ) القرآن الكريم - سورة الفتح ، الآية / 5 . ( 5 ) ابن هشام - السيرة 3 / 322 . ( 6 ) المرجع السابق نفسه ، والصفحة نفسها .